أحمد زكي صفوت

61

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

أمير جيش المسلمين بذرارىّ المشركين ، وكيف تقول في قول عبيد اللّه بن زياد لإخوته وخاصّته : دعوني أقتله ، فإنه بقيّة هذا النّسل ، فأحسم به هذا القرن ، وأميت به هذا الداء ، وأقطع به هذه المادة . خبّرونا ! علام تدلّ هذه القسوة ، وهذه الغلظة ، بعد أن شفوا أنفسهم بقتلهم ، ونالوا ما أحبّوا فيهم ؟ أتدلّ على نصب « 1 » وسوء رأى وحقد وبغضاء ونفاق ، وعلى يقين مدخول ، وإيمان مخروج ، أم تدلّ على الإخلاص ، وعلى حبّ النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والحفظ له ، وعلى براءة السّاحة وصحّة السّريرة ؟ فإن كان ما وصفنا لا يعدو الفسق والضلال - وذلك أدنى منازله - فالفاسق ملعون ، ومن نهى عن [ سبّ « 2 » ] الملعون فملعون . وزعمت نابتة عصرنا ومبتدعة دهرنا : أن سبّ ولاة السّوء فتنة ، ولعن الجورة بدعة ، وإن كانوا يأخذون السّمىّ بالسّمىّ ، والولىّ بالولىّ « 3 » والقريب بالقريب ، وأخافوا الأولياء ، وأمّنوا الأعداء ، وحكموا بالشفاعة والهوى ، وإظهار الغدرة والتهاون بالأمة ، والقمع للرعية ، وأنهم في غير مداراة ولا تقيّة . وإن عدا ذلك إلى الكفر ، وجاوز الضلال إلى الجحد ، فذاك أضلّ ممن كفّ عن شتمهم والبراءة منهم ، على أنه ليس من استحق اسم الكفر بالقتل ، كمن استحقه بردّ السنة وهدم الكعبة ، وليس من استحق اسم الكفر بذلك ، كمن شبّه اللّه بخلقه ، وليس من استحق الكفر بالتشبيه كمن استحقه بالتجوير « 4 » والنابتة في هذا الوجه أكفر من يزيد وأبيه ،

--> ( 1 ) نصب له : عاداه ، وأهل النصب : المتدينون ببغضة على رضى اللّه عنه ، لأنهم نصبوا له . ( 2 ) في الأصل « نهى » محل هذه الكلمة ، والسياق يقتضى ما ذكرته . ( 3 ) يعرض بزياد ابن أبيه إذ يقول في خطبته البتراء : « وإني أقسم باللّه لآخذن الولي بالمولى . . . » انظر جمهرة خطب العرب 2 : 270 وبالحجاج إذ يقول في كتابه إلى المهلب : « فإني أرى أن آخذ الولي بالولي ، والسمى بالسمى » انظر الجزء الثاني ص 145 من جمهرة رسائل العرب . ( 4 ) جوره : نسبه إلى التجوير ، وفيه تعريض بغير المعتزلة ، وكان المعتزلة يسمون أنفسهم أهل العدل لقولهم بعدل اللّه وحكمته ، قال الشهرستاني في الملل والنحل ج 1 : ص 52 : « واتفق المعتزلة على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها ، مستحق على ما يفعله ثوابا وعقابا في الدار الآخرة ، والرب -